بين الحماية وجذب الكفاءات.. أوروبا تعيد رسم خريطة الهجرة

بين الحماية وجذب الكفاءات.. أوروبا تعيد رسم خريطة الهجرة
الهجرة غير الشرعية

في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالهجرة وتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية داخل دوله الأعضاء، كشف الاتحاد الأوروبي عن ملامح رؤية جديدة لسياسة الهجرة للسنوات الخمس المقبلة، في محاولة لإعادة التوازن بين ضبط الحدود والاستجابة للاحتياجات الإنسانية وسد النقص المتنامي في أسواق العمل، وهي رؤية تعكس تحولا واضحا نحو تشديد إدارة تدفقات الهجرة، دون التخلي المعلن عن التزامات الحماية الدولية، وسط نقاش أوروبي محتدم حول مستقبل أحد أكثر الملفات حساسية في القارة.

وأعلنت المفوضية الأوروبية، الخميس، تفاصيل هذه الرؤية التي تستهدف إعادة تنظيم سياسات الهجرة واللجوء داخل الاتحاد، مؤكدة أن المقاربة الجديدة تنطلق من دروس السنوات الماضية وما رافقها من أزمات إنسانية وأمنية، وفق وكالة الأنباء الألمانية.

ثلاثة أهداف ترسم المسار

تقوم الاستراتيجية المقترحة على ثلاثة أهداف رئيسية تشكل الإطار العام لسياسة الهجرة الجديدة في أوروبا، والهدف الأول يتمثل في الحد من الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات تهريب البشر التي تستغل اليأس والفقر والنزاعات المسلحة لدفع آلاف الأشخاص إلى طرق هجرة محفوفة بالمخاطر، وترى المفوضية أن هذه الشبكات باتت أكثر تنظيما وتعقيدا، ما يستدعي تعاونا أمنيا وسياسيا أوسع داخل الاتحاد وخارجه.

أما الهدف الثاني فيركز على توفير الحماية للأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على حق اللجوء كأحد الركائز القانونية والأخلاقية للاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه، تشدد الرؤية على منع ما تصفه بإساءة استخدام أنظمة اللجوء، من خلال تسريع إجراءات البت في الطلبات وتعزيز آليات التمييز بين طالبي الحماية الحقيقية ومن لا تنطبق عليهم الشروط.

ويتمثل الهدف الثالث في جذب العمالة الماهرة والكفاءات من خارج الاتحاد الأوروبي، لسد النقص المتزايد في قطاعات حيوية مثل الصحة والصناعة والتكنولوجيا، وتؤكد المفوضية أن مستقبل الاقتصادات الأوروبية مرتبط بقدرتها على استقطاب مهارات جديدة، في ظل شيخوخة السكان وتراجع معدلات الولادة في العديد من الدول الأعضاء.

رسالة سياسية واضحة

قال مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة ماجنوس برونر إن هذه الرؤية تهدف إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن الاتحاد الأوروبي مستعد لتنظيم حركة التنقل والهجرة وفق شروطه وقواعده الخاصة، وأكد أن المقاربة الجديدة تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن والاستقرار الاجتماعي، مع الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي في مواجهة التحديات المشتركة.

وأضاف برونر أن الفوضى في إدارة الهجرة لا تخدم أحدا، لا الدول المستقبلة ولا المهاجرين أنفسهم، مشددا على أن التنظيم الصارم والعادل هو السبيل الوحيد لحماية كرامة الإنسان وضمان استدامة السياسات العامة.

التعاون مع دول خارج الاتحاد

أحد أبرز ملامح الرؤية الجديدة يتمثل في توسيع نطاق التعاون مع الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، خاصة تلك الواقعة على مسارات الهجرة الرئيسية في إفريقيا والشرق الأوسط، وتهدف هذه الشراكات إلى معالجة أسباب الهجرة من جذورها، مثل الفقر والنزاعات وتغير المناخ، إضافة إلى تعزيز قدرات هذه الدول على ضبط الحدود ومكافحة التهريب.

وفي هذا الإطار، طرحت المفوضية فكرة إنشاء ما يعرف بالمراكز متعددة الأغراض على طول طرق اللاجئين، ورغم أن التفاصيل العملية لهذه المراكز لم تتضح بعد، إلا أنها تثير نقاشا واسعا حول طبيعة دورها، وما إذا كانت ستستخدم كنقاط استقبال مؤقتة، أو كمراكز فرز لطلبات اللجوء، أو كآلية لإعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية.

وتخشى منظمات حقوقية من أن تتحول هذه المراكز إلى أدوات لإبقاء طالبي اللجوء خارج حدود الاتحاد، بما قد يقوض حقهم في الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة داخل أوروبا، في المقابل، تؤكد المفوضية أن أي ترتيبات مستقبلية ستراعي القانون الدولي وحقوق الإنسان.

الترحيل كأداة أساسية

تشير الرؤية الجديدة بوضوح إلى تعزيز عمليات الترحيل للأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم، باعتبار ذلك عنصرا أساسيا في مصداقية سياسة الهجرة، وتقر المفوضية بأن معدلات الترحيل الحالية لا تزال منخفضة، ما يضعف ثقة الرأي العام في قدرة الاتحاد على إدارة الملف.

ولتحقيق ذلك، تعتزم بروكسل تحسين التنسيق بين الدول الأعضاء، وتوقيع اتفاقيات إعادة قبول مع دول المنشأ، وتقديم حوافز اقتصادية وتنموية لتشجيع التعاون. وتعتبر المفوضية أن الترحيل المنظم والإنساني يشكل جزءا لا يتجزأ من منظومة متوازنة للهجرة.

انقسام داخل البيت الأوروبي

تأتي هذه الرؤية في سياق نقاش أوروبي متجدد حول الهجرة، يتسم بتباين واضح في مواقف الدول الأعضاء، فبينما تدفع بعض الحكومات نحو تشديد أكبر في السياسات، مدفوعة بصعود التيارات اليمينية والضغوط الداخلية، تحذر دول أخرى ومنظمات مدنية من أن الإفراط في التشدد قد يؤدي إلى تقويض القيم الأساسية التي قام عليها الاتحاد.

ويعكس هذا الانقسام صعوبة التوصل إلى مقاربة موحدة ترضي جميع الأطراف، خاصة في ظل اختلاف تجارب الدول مع الهجرة، سواء كدول عبور أو استقبال أو منشأ.

الهجرة بين الحاجة والقلق

لا تنفصل الرؤية الجديدة عن الواقع الديموغرافي والاقتصادي للقارة الأوروبية، فمع شيخوخة السكان وتراجع القوى العاملة، تزداد حاجة الاقتصادات الأوروبية إلى المهاجرين، لا سيما أصحاب المهارات، وفي الوقت نفسه، يتنامى القلق الشعبي من تأثير الهجرة غير المنظمة على الخدمات العامة والهوية الثقافية.

وتحاول المفوضية، من خلال هذه الاستراتيجية، تقديم إجابة وسطية على هذه التناقضات، عبر تنظيم الهجرة بدلا من تركها للفوضى، واستثمارها كفرصة اقتصادية واجتماعية، دون تجاهل المخاوف الأمنية والسياسية.

شهد الاتحاد الأوروبي منذ عام 2015 واحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخه الحديث، مع وصول مئات الآلاف من اللاجئين الفارين من النزاعات في سوريا وأفغانستان ودول أخرى، وأدت هذه الموجة إلى انقسامات حادة بين الدول الأعضاء، ودفعت إلى إصلاحات متتالية في نظام اللجوء الأوروبي، ومع استمرار النزاعات العالمية وتداعيات التغير المناخي، يتوقع أن تبقى الهجرة أحد أبرز التحديات التي ستواجه أوروبا خلال السنوات المقبلة، ما يجعل من الرؤية الجديدة محاولة لإعادة ضبط السياسات بما يتلاءم مع واقع متغير وضغوط متزايدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية